انباءٌ عن هجومٍ شرس
لقد تحرّكت روح الدفاع عن المقدسات.. وتوالت قطعات الحشد الشعبي للمرابطة في عامريّة الفلّوجة غرب العاصمة بغداد بعد ما تزايدت هجمات العدو للسيطرة عليها؛ كي تكون العاصمة تحت مرمى مدفعية داعش ويعلنوا عن سقوط بغداد عسكريّاً.
جاء الشيخ (محمد العبودي) مع أحد الفصائل فوجدوا فصائل اخرى تابعة للحشد الشعبي قد سبقتهم للمرابطة وهي تمسك الجبهات على سواتر عديدة من جهات مختلفة.
بعد عدّة أيام جاءت معلومات استخباراتيّة تفيد بأنّ العدو يستعد للهجوم على المنطقة؛ فتهيّأ المقاتلون للصدّ وكان من بينهم رجل شيبة يؤكد على الشباب ضرورة الانتشار على السواتر ويرفع من معنوياتهم وهو يقول بأعلى صوته: امّا النصر وامّا الشهادة، فلا تقصروا في الدفاع عن المقدسات.
في منتصف الليل سمعوا إطلاق نار كثيف في أحد السواتر فأرسلوا إليهم من يستعلم الامر؛ فقالوا له: لقد رأينا تحرّكاً للدواعش وبدأنا بأطلاق النار.
وحينما لم يجد اشتباكاً هناك قال لأصحابه عند رجوعه: ربّما كان الدواعش يرومون الهجوم ولكنّهم توقّفوا حينما رأوا أن الساتر لا يمكن اختراقه، واحتمال انّ المقاتلين تخيّلوا وجود العدو نتيجة التركيز الشديد طوال الليل فتقوم العين بتصوّر الاشياء التي تحتملها.
باتوا تلك الليلة بعيون الصقور الساهرة ولم يحصل عليهم أيّ تعرض ولكن بعد صلاة الفجر وبحدود الساعة السادسة من صباح ذلك اليوم الشتائي البارد قام الدواعش بالهجوم على ساتر أحدى السرايا التابعة للحشد الشعبي في ذلك المكان، ويبدو أنّ العدو قام بتسريب معلومات عن هجومه حتى ينهك الحشد الشعبي بالسهر والتعب والاضطراب طوال الليل ثم يقوم بهجومه المباغت.
كان الهجوم شرساً وقد اعطت تلك السرية اثني عشر شهيداً سوى من جُرح؛ فهبّت بقية الفصائل لنجدتهم فوجدوهم متأثرين على أصحابهم الذين استشهدوا وقد انهارت معنوياتهم، فصاح الشيخ محمد العبودي بهم بأعلى صوته: لا تنهاروا هذه الحرب فيها غالب ومغلوب، فنحن معكم ولا نترك العدو يتقدّم في زحفه.
وقفت فصائل الحشد لصدّ الهجوم وكان الاشتباك عنيفاً جداً فأصوات الانفجارات تدوّي في المكان وازيز الرصاص يخطف معه الارواح على الجانبين، وكان ابطال الحشد الشعبي مصممين على الثبات ولن يبرحوا مكانهم، وفي المقابل كان العدو شرساً ولم يقبل أي تراجع وكان مصرا على التقدّم أو الموت على الرغم من الاعداد الكبيرة من فصائل الحشد الشعبي التي التحقت بذلك الساتر، فاقتتلوا ساعات حتى تمكن رجال الحشد الشعبي من قتلهم جميعاً وكانوا خمسة وعشرين داعشيّاً وقد أُبيدوا بأجمعهم.
بعد انتهاء المعركة اراد بعض المقاتلين من الحشد الشعبي ان يقطعوا رؤوس الدواعش ويرسلوها مع جثث الشهداء الى ذويهم ليعلموا بانّهم قد ادركوا الثأر، لكن رجال الدين من لجنة الارشاد والتعبئة للدفاع عن المقدسات اعترضوا على ذلك بشدّة وقالوا لهم: لقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن التمثيل بجثث القتلى بقوله ((إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور))[1] ، و منع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن التمثيل حتى بقاتله، حينما اوصى قبيل وفاته قائلاً ((يا بني عبد المطلب لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا تقولون قتل أمير المؤمنين قتل أمير المؤمنين ألا لا يقتلن بي إلا قاتلي انظروا إذا أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة ولا يمثل بالرجل..))[2] ، هذه هي اخلاق ديننا ومذهبنا فلا تعاملوا القوم بأخلاقهم.
بعدها قام رجال الحشد الشعبي بنقل جثث الشهداء واسعاف الجرحى فحكى أحد الجرحى الشباب قصة اصابته للشيخ محمد العبودي قائلاً: في اثناء الاشتباك اصبت بجروح خفيفة؛ فبقيت اقاتل ولم اغادر ارض المعركة، وبينما أنا كذلك إذ نفدت ذخيرتي وقد اتجه أحد الدواعش نحوي ولو اراد قتلي بسلاحه لفعل لكنّه كان يقترب ليقوم بقطع رأسي فسلّمت أمري إلى الله وقمت بأداء الشهادتين وايقنت بدنو أجلي.
حينها كان هناك رجل كبير السن جاء ليقاتل مع الحشد الشعبي بسلاحه الشخصي التراثي (البرنو) وكان ماهراً في اصابة الهدف، فسدّد على ذلك الداعشي الذي يكلّم نفسه: أأضع الرصاصة في رأسه ام اذبحه ذبحاً؟
وبينما كان الداعشي يتقدّم نحو الجريح وإذا به يسقط على بعد أمتار منه فقد اصابه المقاتل المسن برصاصة دخلت في اذنه اليمنى وخرجت من الاذن اليسرى.
ثم أردف الشاب الجريح قائلاً: أنا مدين بحياتي لهذا الرجل المسن وأشار إليه بيده.
فنظر الشيخ محمد العبودي إلى حيث أشار ووجد ذلك المقاتل المسن جالساً ويتحدث مع الرجل صاحب الشيبة الذي كان يحث المقاتلين على القتال ليلة البارحة قبيل وقت الهجوم.